نشر بتاريخ: 2021/01/23 ( آخر تحديث: 2021/02/26 الساعة: 00:51 )
جمال خليفة

راديو الشباب  

قوبل المرسوم الرئاسي الفلسطيني بالإعلان عن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية وللمجلس الوطني، على التوالي، بالترحيب والتشكيك في آن. وخيّم شبح الانقسام فوق الإعلان، وتوالت علامات الاستفهام حول إمكانية أن تكون انتخابات فعلا، وكيف ستجري، وكيف سيتم التعامل مع نتائجها إن أُجريَت. في اللغة السياسية الفلسطينية، الإعلان عن الانتخابات شيء، وإجراء الانتخابات شيء آخر. وملابسات الإعلان لها سياقها السياسي المحدّد، أما التنفيذ فهو وقْف على عوامل كثيرة، تجعل إمكانيات حدوثه فعلا أضعف من عدمه.

لعلّ أهم سياقات الإعلان الرئاسي عن الانتخابات، هو أنه جاء عشية تنصيب جو بايدين رئيسا للولايات المتحدة، وهذا الإعلان هو ترحيب به وتشريف له، أملا بتحسين العلاقة مع الأمريكيين، التي دمّرها ترامب تماما. لقد وضعت القيادة الفلسطينية مسألة الانتخابات على الطاولة، ظنّا منها ان هذا سيسهّل التعامل مع الإدارة الجديدة، على أساس أن «الديمقراطيين يحبّون الديمقراطية». قد يكون هذا الأمر صحيحا في بعض الحالات، خاصة حين ينسجم الأمر مع المصلحة الأمريكية، لكنّه في الحالة الفلسطينية قد يكون مطبّا يصعب الدخول فيه والخروج منه أصعب.

نقطة الخلاف المركزية مع الأمريكيين في موضوع الانتخابات ستكون حتما مسألة مشاركة حركة حماس، وحركات أخرى جرى تصنيفها أمريكيا في لائحة ما يسمّى بالمنظمات الإرهابية، وهذا الموقف ليس مرشحاً للتغيير، حيث كان أول تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الجديد، انتوني بلينكين، حول القضية الفلسطينية بأن تعامل إدارة بايدين مع السلطة الفلسطينية، سيعتمد على موقفها من المنظمات الإرهابية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن السياسة الفلسطينية اعتمدت في السنة الأخيرة انتظار التغيير في البيت الأبيض، فإن الرهان على هذا التغيير هو محور القرار السياسي في رام الله، وليست هناك نوايا لتجاهل الموقف الأمريكي من الانتخابات ومن الوحدة الفلسطينية. إذا كان الإعلان عن الانتخابات والتعبير عن الاستعداد للقيام بإجراء ديمقراطي هو، تمهيد لفتح باب علاقة مع الإدارة الأمريكية، التي قد تقبل بالإعلان، لكن قد يكون لها رأي آخر عند الدخول في التفاصيل، بالأخص بكل ما يتعلّق بمشاركة حركة حماس في الانتخابات أولا وفي السلطة لاحقا. ويخطئ من يظنّ أن الإدارة الديمقراطية ستكون أكثر انفتاحا على التيار الإسلامي، استمرارا لموقف إدارة أوباما في التعامل مع حركة الإخوان المسلمين في مصر، لأن الإدارة الجديدة ستكون أقرب إلى موقف آخر لأوباما، الذي دعم الحرب الوحشية، التي شنتها إسرائيل على غزّة وعلى حركة حماس عام 2014. كل الدلائل تشير إلى أن الموقف الأمريكي من حركة حماس سيبقى خاضعا للموقف الإسرائيلي، وموقف اللوبي الصهيوني منها، ولا يمكن التغاضي عن هذا الأمر في أي تقييم لإمكانيات إجراء انتخابات وتداعياتها المحتملة.
 
لقد لخّصت إسرائيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، بأن إدارة بوش أخطأت حين ضغطت من أجل إجراء الانتخابات، وأن إسرائيل أخطأت حين قبلت بهذا الضغط، الذي شمل فرض إجراء الانتخابات في القدس أيضا. قد لا تلجأ إسرائيل إلى الإعلان المباشر بأنها ضد إجراء الانتخابات، إلّا أنها وبالتأكيد ستضع «شروطا» تعجيزية وستتخذ إجراءات معرقلة، فأولا هي ستعود إلى شروط الرباعية القديمة بخصوص عدم الاعتراف بأي حكومة فلسطينية بمشاركة حماس، إلا إذا اعترفت هذه الحكومة بإسرائيل وبالاتفاقيات الموقعة ونبذت ما يسمى بالإرهاب، وهذا موقف سيكون له تأثير كبير في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وثانيا، من المرجّح أن تعلن إسرائيل رفضها لمشاركة الفلسطينيين في القدس في عملية التصويت، وستلجأ إلى نشر قواتها لمنع الانتخاب بالقوة. وثالثا، من المحتمل جدّا أن تمنع إسرائيل إجراء الانتخابات في المناطق «ج» الواقعة تحت سيطرتها المباشرة، على اعتبار أن ذلك يتعارض مع مشروع الضم، ومع صفقة القرن التي تتخذها إسرائيل مرجعية بديلة للقرارات الدولية في الشأن الفلسطيني. ورابعا، قد تعلن إسرائيل سلفا أنّها ستفرض عقوبات اقتصادية وسياسية ضد أي سلطة بمشاركة حماس.

لو توفّرت عندها إرادة سياسية جدّية، تستطيع الولايات المتحدة إجبار إسرائيل على القبول بإجراء انتخابات فلسطينية، ولكن هذه الإرادة غير متوفّرة. وتختلف الأوضاع هذه الأيام عمّا كانت عليه عام 2006، حين حملت إدارة بوش مشروع «إشاعة الديمقراطية» وضغطت على إسرائيل وعلى السلطة الفلسطينية لإجراء الانتخابات. لكنّها سرعان ما ندمت على ما فعلت ورفضت نتائجها بسبب فوز حماس بها. وحتى لو فرضنا جدلا أن الولايات المتحدة باركت إجراء الانتخابات الفلسطينية، فهي لن تكون بالحماس السابق نفسه، ولن يكون ضغطها على إسرائيل سوى من النوع الخفيف المحتمل.

قد يذهب البعض إلى الرهان على دعم أوروبي للانتخابات، خاصة بعد إعلان الاتحاد الأوروبي، ومعه الأمم المتحدة، عن الترحيب بالإعلان عن الانتخابات الفلسطينية، ولكن الموقف الأوروبي عموما سيكون في المرحلة المقبلة أشد ارتباطا بالتنسيق مع الولايات المتحدة، بعد أن أعلن بايدين أكثر من مرة أنه سيقوم بترميم ما دمّره ترامب في العلاقة مع الحلفاء الأوروبيين. سيؤدي مثل هذا التنسيق إلى بقاء الموقف الأوروبي، بكل ما يتعلق بالانتخابات والموقف من حركة حماس، في الفلك الأمريكي. ومع ذلك من المتوقّع ان تكون أوروبا أكثر ليونة في تعاملها مع الانتخابات ونتائجها، خاصة إذا حظيت هذه الانتخابات بمباركة عربية سابقة ولاحقة.

من المفارقة أن تكون هناك مقترحات لرقابة عربية لضمان نزاهة الانتخابات الفلسطينية. رقابة من أنظمة بعيدة عن الديمقراطية، ولم تعرف الانتخابات النزيهة، هو تجديد عربي بامتياز. وليس أقل مفارقة أن «تضغط» أنظمة عربية غير ديمقراطية لإجراء انتخابات ديمقراطية في فلسطين. المهم أن السياق العربي بالنسبة لقضية فلسطين عموما يفتقد إلى الحد الأدنى من الانسجام، ومواقف الدول من الانتخابات متباينة تبعا لمصالحها وميولها. وإذ تسعى كل دولة عربية إلى أن يكون لها تأثير وحتى «وكلاء» في فلسطين، فلا بدّ من كلمة حق بحقّ التنظيمات الفلسطينية الكبرى، فهي مستقلة إلى حد كبير، وليست خاضعة لأحد، حتى لو اضطرت بطبيعة الحال إلى أخذ المواقف العربية والإقليمية والدولية بعين الاعتبار. هناك ميول وتوجهات وعلاقات أفضل وعلاقات خاصة، لكن لا وجود لخضوع طرف فلسطيني وازن لأي طرف خارجي كان، ولعل هذا من ميراث أبو عمّار، وهو دليل على أن العطب لم يصب صلب «الوطنية الفلسطينية» التي هي بخير وسط كل المصائب التي تمرّ بفلسطين وبشعب فلسطين. الحقيقة المرّة، من جهة أخرى، هي أن الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا لها تأثير أكثر من الدول العربية، بكل ما يخص اتخاذ القرار السياسي الفلسطيني، وبما يتعلق بالانتخابات في السياق الحالي.

يبدو المشهد الخارجي، من الناحية المبدئية، مشجّعا للإعلان عن الانتخابات، لكنّه معطّلٌ لإجرائها فعلا، تبعا للموقف الإسرائيلي والأمريكي والأوروبي من حركة حماس ومشاركتها في أي حكومة. الشروط التي وضعتها «الرباعية» بهذا الخصوص مازالت تلقي ظلّها على اتخاذ الموقف النهائي بالنسبة لإجراء الانتخابات. ورغم تحديد موعد رسمي لها، ولأول مرة منذ عام 2006، فإنّ هذا الموعد قابل للتأجيل، ولن يكون من الصعب إيجاد التبريرات لذلك، سواء كانت تلك نابعة من أسباب حقيقية أو للتغطية على الأسباب الحقيقية. ومن العوامل التي من الممكن ان تؤدّي إلى عدم إجراء الانتخابات في موعدها المعلن، أولا تفشي كورونا وفقدان السيطرة على انتشارها. ثانيا، الاختلاف على تفاصيل إجراء الانتخابات بعد الترحيب الأولي لحماس وغيرها بالإعلان عنها. ثالثا، عرقلة إسرائيلية للانتخابات في القدس ومناطق «ج». رابعا، إخفاق محاولات تشكيل قائمة مشتركة والفشل في الاتفاق بين حماس وفتح على دعم ترشيح الرئيس محمود عبّاس. خامسا، عدم استعداد فتح وحماس لاحترام النتائج وما ينتج عنه من عدم استعداد للتخلي عن السلطة في غزة، أو في الضفة الغربية مهما كانت نتائج الانتخابات. سادسا، تطوّر حالة من عدم الاستقرار الأمني في غزة أو الضفة. سابعا، نجاح الشخصيات والقوى التي ستخسر مركزها وامتيازاتها نتيجة للانتخابات، في خلق عراقيل لم تؤخذ بالحسبان. ثامنا، تنامي قناعة لدى فتح أو حماس أو كليهما، بأن أطرافا أخرى ستحظى بقوّة كبيرة في الانتخابات عبر المال السياسي لرجال الأعمال وأتباع محمد دحلان المدعوم إماراتيا. تاسعا، فيتو أمريكي أو مصري قد يأتي في حالات معيّنة. عاشرا، تراجع فتح أو حماس عن المضي قدما في الانتخابات تبعا للمصالح الفئوية، وهذا ليس مستبعدا بالمرة.

ولو أن الصمود هو المبدأ الناظم للسياسة الفلسطينية بتجلياتها كافة في السنوات الأخيرة، إلّا أنّه كلما حدثت أزمة يكون هناك خروج عن «نص الصمود» عبر طرح مقترحات بثلاثة اتجاهات هي، الوحدة وإنهاء الانقسام، وحل السلطة و»تسليم المفاتيح» للاحتلال الإسرائيلي، وتصعيد المقاومة. وقد أضيف مؤخّرا إلى القاموس السياسي الفلسطيني مقترح الانتخابات، كخطوة تحتمل أن تكون بديلا عن الوحدة أو مقدمة لإنجازها.

تستغل القيادة الفلسطينية حالة المنزلة بين المنزلتين، التي تميّز النظام السياسي الفلسطيني، وتدعي أحيانا أن الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال ليس في دولة مستقلة تلزمها انتخابات، وأحيانا تتعامل مع الحالة الفلسطينية وكأنّها دولة، والانتخابات استحقاق لا بديل عنه. والحقيقة أن انتخابات السلطة الفلسطينية هي وليدة اتفاق أوسلو، وتجري تحت سقفه ووفق تقييداته، وهي من الناحية العملية منح الشرعية من جديد لأوسلو. إذا كان لا بد من انتخابات فلسطينية فيجب أن تكون أولا للمجلس الوطني، الذي يمثل الشعب الفلسطيني كلّه، وعلى أساسها يمكن إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وانتخاب قيادة فلسطينية لها الشرعية الكاملة باتخاذ القرار بشأن التعامل مع أوسلو وإفرازات أوسلو، بما في ذلك القرار بشأن انتخابات المجلس التشريعي والرئاسة. هناك حاجة لرد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني، وهذا يتطلب أولا تعزيز شرعية منظمة التحرير الفلسطينية لتقوم بدورها، بإدارة المشروع الوطني بكل تجلياتها، وحتى تكون السلطة وانتخابتها خاضعة لقرارات المنظمة وليس العكس.

الكلمات الدلالية